الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
27
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
وعظكما أو يخشى اللّه فيرجع من الإنكار ، إلى الإقرار بالحق . فإن لم ينتقل من الإنكار ، إلى الإقرار لكنه إذا حصل في قلبه الخوف ترك الإنكار . وإن لم ينتقل إلى الإقرار ، فإن ترك الإنكار ، خير من الإصرار على الإنكار . وفائدة إرسالهما مع علم اللّه بأن فرعون لا يؤمن إلزام الحجة من اللّه ، وقطع المعذرة عن فرعون ، وإظهار الآيات . ويروى عن كعب أنه لمكتوب في التوراة : « فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن » . قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أي أن يعجّل علينا بالعقوبة ، بأن لا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة . أي إنا نخاف فوات القيام لتبليغ الرسالة كما أمرتنا ، إذا قتلنا . وقرئ « يفرط » بضم الياء ، وكسر الراء ، أي نخاف أن يحمله حامل من ادعاء الربوبية ، أو حبه للرياسة ، والمملكة ، أو قومه المتمردين على المعالجة بالعقاب . أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) ، أي يزداد تكبرا إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لجراءته عليك ، وقساوة قلبه . قالَ اللّه تعالى : لا تَخافا ، مما عرض في قلبكما من أذية فرعون لكما ، ومن ازدياد كفره . إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) ، أي إنني حافظكما سميعا وبصيرا . قال القفال : يحتمل أن يكون قوله تعالى : أَسْمَعُ وَأَرى مقابلا لقولهما أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا ، أي أن يعدو علينا بأن لا يسمع منا ، أو أن يطغى ، أي يغلب علينا بأن يقتلنا . فقال اللّه تعالى إِنَّنِي مَعَكُما أي معينكما ، وعالم بما يليق من حالكما معه ، أسمع كلامه معكما فأسخره للاستماع منكما ، وأرى أفعاله فلا أتركه يفعل بكما ما تكرهانه . فَأْتِياهُ أي فلتكونا واصلين إلى فرعون ، فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ إليك ، فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ، نذهب بهم إلى أرضهم - وفي ذلك إدخال النقص على ملكه ، لأنه كان محتاجا إليهم فيما يريده من الأعمال ، من بناء أو غيره - وَلا تُعَذِّبْهُمْ بالأمور الشاقة كالحفر ، ونقل الأحجار ، وقتل ذكور أولادهم ، عاما دون عام ، واستخدام نسائهم . قَدْ جِئْناكَ ؟ ؟ ؟ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ ، أي بإثبات الدعوى ببرهانها . فهو بيان من عند اللّه . وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ( 47 ) ، أي السلامة في الدارين ، من عذاب اللّه لمن صدق آيات اللّه الهادية إلى الحق . وهذا من جملة قوله تعالى الذي أمرهما أن يقولاه لفرعون ، أي وفقولا له والسلام إلخ . إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا ، من جهة ربنا ، أَنَّ الْعَذابَ الدنيوي والأخروي ، عَلى مَنْ كَذَّبَ بآياته تعالى وَتَوَلَّى ( 48 ) ، أي أعرض عن قبولها . قالَ أي فرعون بعد ما أتياه وبلّغا ما أمرا به ، فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ( 49 ) ، لم يقل فمن ربي ، مع أن حق الجواب كذلك ، لغاية عتوّه أي إذا كنتما رسولي ربكما فأخبرا من ربكما الذي أرسلكما وتخصيص النداء بموسى ، بعد مخاطبته لهما معا لأنه الأصل في الرسالة ، وهارون وزيره . قالَ أي موسى مجيبا له : رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ ، من أنواع المخلوقات خَلْقَهُ أي صورته اللائق بما نيط به من الخواص ، والمنافع . أو أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه وينتفعون به . وتقديم المفعول الثاني للاعتناء به . ثُمَّ هَدى ( 50 ) ، إلى طريق الانتفاع من